الشنقيطي
435
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أن صاحبك هجاني ! ؟ فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : لا ورب هذا البيت ما هجاك . فانصرفت وهي تقول : قد علمت قريش أني بنت سيدها . إلى غير ذلك من الروايات بهذا المعنى . وقال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية ، بعد أن ساق بعض الروايات نحو ما ذكرنا في هذا الوجه الأخير ما نصه : ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا . وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه ، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء ، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن ، فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا ، وأحدهما يقول للآخر : هذا ديبله ( يعنون شيطانا ) وأعمى اللّه عز وجل أبصارهم فلم يروني اه وقال القرطبي : إن هذا الوجه في معنى الآية هو الأظهر . والعلم عند اللّه تعالى . وقوله في هذه الآية الكريمة : حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) قال بعض العلماء : هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل ؛ أي حجابا ساترا ، وقد يقع عكسه كقوله تعالى : مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) [ الطارق : 6 ] أي مدفوق عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) [ الحاقة : 21 ] أي مرضية . فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية ؛ والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق « مجازا عقليا » ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية - قولهم : ميمون ومشؤوم ، بمعنى يا من وشائم . وقال بعض أهل العلم : قوله مَسْتُوراً ( 45 ) على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول ، لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه . أو مستورا به القارء فلا يراه غيره ؛ واختار هذا أبو حيان في البحر . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ 46 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه جعل على قلوب الكفار أكنة ، ( جمع كنان ) وهو ما يستر الشيء ويغطيه ويكنه ، لئلا يفقهوا القرآن . أو كراهة أن يفقهوه لحيلولة تلك الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن ؛ أي فهم معانيه فهما ينتفع به صاحبه . وأنه جعل في آذانهم وقرأ أي صمما وثقلا لئلا يسمعوه سماع قبول وانتفاع . وبين في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به ، وأنه هو كفرهم ، فجازاهم اللّه على كفرهم بطمس البصائر ، وإزاغة القلوب والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها ، كقوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] الآية ، وقوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] ، وقوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 110 ] ، وقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : 10 ] الآية ، وقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) [ التوبة : 125 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .